محمد أبو زهرة
2034
زهرة التفاسير
الوداع ، وقد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية واحدا وثمانين يوما ثم قبضة الله تعالى إليه ، وفي هذا النص الكريم ذكر حقائق ثلاثا وهي : إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، والرضا بالإسلام دينا . ومعنى أكملت دينكم : أكملت بيان ما آمركم به وما أنهاكم عنه ، وبينت ما يحل لكم وما يحرم عليكم ، وأكملت الكتاب الذي تضمن شرعي ، والذي هو حجتي عليكم ، والحجة لكم في أمر دينكم ، وأوضحت فيه الأدلة التي ترشدكم إلى تعرف ما تكون فيه حاجتكم ، وما تعرفون منه بالاستنباط والتفكير مما تحتاجون إلى معرفته من أمر دينكم ، وخلاصة القول : إن إكمال الدين هو إكمال بيانه . ومعنى إتمام النعمة : هو إتمام النصر ، وإتمام السلطان ، وذلك بفتح مكة ، والسلطان في العرب ، وإزالة دولة الأوثان ، وجعل الكلمة العليا هي كلمة التوحيد . ومعنى ورضيت لكم الإسلام دينا : رضيت الاستسلام لأوامرى والانقياد لما شرعت لكم من أحكام ، وما يجب عليكم التزامه من فرائض ومعالم وحدود دِيناً : أي أمرا تدينون به وتطيعونه ولا تخرجون عنه ، وهذا ما قرره ابن جرير ، ويصح أن نقول : إن المعنى رضيت لكم التسليم بكل ما اشتمل عليه القرآن وما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم دينا تطيعوننى بمقتضاه ، والمعنيان متقاربان ، وان اختلف التعبير ، وعبر هنا بكلمة ( رضيت ) مع أن الأمر هنا أمر إيجاب وتكليف ، وذلك للإشارة إلى أن المؤمن الذي يبلغ درجة المحبة لله تعالى يطيعه ؛ لأن فيه مرضاته من غير نظر إلى التكليف الذي يتضمن الثواب والعقاب . وقد جاء في تفسير ابن جرير الطبري : « فإن قال قائل : أو ما كان الله تعالى راضيا الإسلام لعباده إلا يوم أنزل هذه الآية ؟ قيل لم يزل الله راضيا لخلقه الإسلام دينا ، ولكنه جل شأنه لم يزل يصرف نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه ، درجة بعد درجة ، ومرتبة بعد مرتبة ، وحالا بعد حال ، حتى أكمل لهم شرائعه ومعالمه ، وبلغ بهم أقصى درجات مراتبه ، ثم قال حين أنزل هذه